الشيخ محمد هادي معرفة
404
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )
مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ » . وإذا انضمّت إلى النخيل والأعناب كلّ الثمرات كان وصفها أتمّ ونفعها أعظم والأسف على فسادها أشدّ . ولذلك تمّم هذا النقص وبالغ فيه بقوله : « لَهُ فِيها مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ » . ولمّا فرغ من وصف الجنّة شرع في وصف صاحبها ، فوصفه بالكبر ، وهي حالة يأس عن إمكان استئناف العمل لو ذهبت الأتعاب أدارج الرياح . فقال - محتاطا - : « وَأَصابَهُ الْكِبَرُ » . ثمّ لو كان عقيما ولم يخلف ذراري ضعافا كان الأمرهيّنا بعض الشيء ، وسلّاه قرب الأجل ، لكن إذا كان قد خلف ذرّية ضعفاء فإنّ الأسف على ضياعها أمرّ وأشدّ . ولذلك تمّمه بقوله : « وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ » . وأضاف وصفها بالضعف « ضُعَفاءُ » لأنّ الإطلاق يحتمل كونهم أقوياء لا حاجة لهم إلى تركة أبيهم . فكان ذلك يخفض من شدّة أسفه ، ويقلّ من وطأة غمّه . وأخيرا أخذ في وصف الحادث المهلك الذي أصاب الجنّة ، فقال : « فَأَصابَها إِعْصارٌ » . لكن لمّا كان الإعصار لايعجّل فساد الشجر والزرع مالم يكن فيه نار تمّمه بقوله : « فِيهِ نارٌ » تأكيدا على ذلك . والإعصار عبارة عن تقابل الرياح المثيرة للعَجاج الكثيف الذي دوامُه واستمرارُه يُعمي عيون الأنهار ويطمّ الآبار ، ويحرق بوهج سمومه الزروع والأشجار ، وهذا معنى « فِيهِ نارٌ » أدارها على الجنّة فاحترقت من شدّة لهبها ووهجها . كأنّها دوّامة نار تدور عليها في وسط ذلك الإعصار . ولمّا كانت مظنّة سلامة الأشجار عن الاحتراق - لما فيها من رطوبة وخضر - احتاط تلافيه بقوله : « فَاحْتَرَقَتْ » أي كانت شدّة الإعصار ووهجة النار بحيث أثّرت في يبسها واحتراقها في نهاية الأمر . ففي هذه التتميمات المتتالية المتنوّعة كمال إيفاء بالمقصود ، ليس يوجد مثله في سائر الكلام . وهذا كما قال ابن معصوم : وللّه درّ شأن القرآن ومدى اعتلاء بلاغته الخارقة ! قال ابن أبيالإصبع : فانظر ما تضمّنت الآية من تقاسيم هذا النوع من بديع الكلام ،